إسبانيا الإسلامية كانت مما سُجِّل بمداد الذهب في تاريخ إسبانيا، التي يبلغ عمرها ألفي عام. وكانت قرطبة هي التي رفعت سمعة إسبانيا إلى مستوى عالمي، وكانت أيضًا تخزين المعلومات والثقافات. ومن الممكن أن نرى في التاريخ أن جميع المعلومات الاستخباراتية كانت متمركزة في معهد قرطبة. إليك إعادة قراءة تاريخ قرطبة وإسبانيا الإسلامية.
"خير أمة"—هكذا خاطبنا الله في قرآنه المجيد، وقد اتصف المجتمع المسلم بهذه الصفة؛ لأنه قادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. في إسبانيا، خلال حكم المسلمين، شهد العالم رقيَّ الجالية الإسلامية في المجالات الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية. ولكن مع مرور الزمن، بدأ هذا التقدم بالتراجع، وتحول المجتمع، الذي كان يعج بالخير، إلى مجتمعٍ فقد بريقه.
عند إعادة قراءة التاريخ، نجد أن الأمة المسلمة كانت شديدة الإيمان، مؤيدةً للأعمال الصالحة والشعائر، وقدمت نماذج رائدة للعامة وأسست نهضةً شاملةً في جميع المجالات. لا ينبغي للتاريخ أن يكون مجرد وثيقة للذكريات، بل يجب أن يُعتَبر وسيلةً للاعتراف بالعيوب واحتضان الإنجازات. وتاريخ إسبانيا الإسلامية التي كانت متفوقةً في جميع المجالات يمكن أن يكون مصدر إلهام لعودة الجالية المسلمة من هذه الأحوال المتدهورة.على الرغم من مرور قرون على سقوط الحكم الإسلامي في إسبانيا، الذي استمر ثمانية قرون، فإن الإرث الاجتماعي والثقافي والفكري الذي تركه ينبغي أن يكون قوةً ملهمةً لهذا المجتمع.
قرطبة: منارة العلم والحضارة في إسبانيا الإسلامية
تاريخ إسبانيا يمتد لألفي عام، وقد حكمتها ممالك متعددة خلال تلك الفترة. كانت البداية مع القرطاجيين، ثم تبعهم الرومان الذين حكموا قرونًا، ثم القوطيون، وبعدهم المسلمون، ثم تولى المسيحيون الحكم من بعدهم، ولا تزال إسبانيا تحت حكمهم حتى اليوم. وعلى الرغم من حصول إسبانيا على مساهماتٍ عديدةٍ من حكوماتٍ متنوعة خلال فتراتٍ مختلفة، إلا أنها لم تشهد أبدًا نفس مستوى الرخاء والإنجازات التي تحققت خلال فترة الحكم الإسلامي.ولقد قدم شعب إسبانيا القيادة والإرشاد للعالم، وانتشر نور المعرفة والفنون في أوروبا، لكن كل ذلك كان خلال فترة الحكم الإسلامي في إسبانيا. وعلى الرغم من أن إسبانيا الإسلامية كانت دولة صغيرة، إلا أن مكانتها الفكرية والثقافية والحضارية والفنية كانت مساويةً، أو حتى أعظم، من دولٍ أكبر منها.
ابن حزم، وابن عبد البر، وابن العربي من علماء الدين، وابن رشد، وابن طفيل من الفلاسفة، والزهري، وابن زهر من العلماء، والخطيب، وابن عبد ربه من المؤرخين، وابن زيدون، وابن عمار من الشعراء، جميعهم كانوا مواهب عظيمة وفّرت تلك الفترة الذهبية، ولم تكن شهرتهم مقتصرة على العالم الإسلامي فقط، بل امتدت إلى خارجه أيضًا. في تاريخ الإسلامي، كان العراق وموار النهار الدولتين الوحيدتين القادرتين على مساهمة بكثير من المواهب حين أنهما صغيرتان مثل إسبانيا.
الإرث الثقافي والعلمي وتأثيره على أوروبا والعالم
جرت أول محاولةٍ لصنع طائرة في إسبانيا الإسلامية على يد العالم العبقري عباس بن فرناس، فقد صمم وصنع طائرةً بدائيةً استطاعت أن ترتفع قليلًا في السماء، لكنها سقطت بعد وقت وجيز. كان عالمًا موهوبًا، وقد صنع سماءً اصطناعيةً في منزله تتضمن الكواكب والشمس والقمر، كما اكتشف تقنية صنع المرآة من الحجر. بالإضافة إلى ذلك، صمم جهازًا فريدًا لمعرفة الوقت دون الاعتماد على الظل.
وكان ابن العوام، من عاش في فترة الموحدين، بارعًا في الزراعة، وقد أوضح في مؤلفاته وسائل لتحسين الزراعة وجعل الأرض مناسبةً للزراعة.وكانت مدينة قرطبة بالنسبة للأوروبيين مثل نيويورك ومدن أوروبية أخرى اليوم بالنسبة لشعوب البلاد الإسلامية. وكان عدد سكان قرطبة، في بداية ازدهار إسبانيا، ١٥٠ ألفًا، وقد وقعت المدينة بالقرب من نهر الوادي الكبير. وكان هناك حوالي ٦٠٠٠٠ قصر، و٢٠٠٠٠ منزل عادي، و٨٠٠٠٠ محل تجاري، و٣٨٠٠ مسجد، و٧٠٠٠ حمام في المدينة.لم تكن المدن بهذه العظمة في العصور القديمة، فقد كانت الشوارع قوية، وتم بناء أنظمة صرفٍ تحت الأرض لإدفاق المياه الصرف. كما تم توفير المياه عند كل ملتقى طرق، وجُعلت إشاراتُ المرور تُضيء المدينة حتى في ظلمة الليل.
في تلك الفترة، لم يكن هناك في العالم مدينة تضاهي قرطبة سوى بغداد، ولم تكن في أوروبا أي مدينةٍ تضاهي إشبيلية، وغرناطة، وفالنسيا، وسرقسطة.في ذلك الوقت، كانت أوروبا تعاني من ضعف التعليم، فلم يكن من يعرف القراءة والكتابة سوى عدد قليل من الكهنة والنبلاء، بينما في إسبانيا الإسلامية، انتشر التعليم بين جميع فئات المجتمع، وأصبحت القراءة والكتابة مهاراتٍ أساسيةً.
في ذلك العصر، كانت مكتبة ملك فرنسا تحتوي على ٦٠٠ كتاب فقط، بينما كان هناك كثيرٌ من المسلمين في إسبانيا يمتلكون مكتباتٍ تحتوي على آلاف الكتب. لقد اعتبروا امتلاك الكتب النادرة شرفًا عظيمًا لذا كانوا مستعدين لإنفاق أموالٍ طائلةٍ لأجلها.
يجب أن نذكر أنه لم تكن هناك تقنية الطباعة آنذاك، وكانت جميع الكتب تُكتب يدويًا. ومع ذلك، لم يكن الناس يجدون الكتابة اليدوية صعبةً، نظرًا لاهتمامهم الشديد بالعلم والمعرفة. ويقال إنه كان هناك في مدينة قرطبة وحدها حوالي ٢٠٠٠٠ شخص يعملون في تجارة الكتب التي خطوها بأيديهم.وفي تلك الحقبة، كانت مدينة شاطبة في إسبانيا المركز الرئيسي لصناعة الورق. وبصرف النظر عن ذلك، كانت الصين الدولة الوحيدة التي ما تمت إنتاج الأوراق. وقد استُخدم جزءٌ كبيرٌ من ورق شاطبة في تأليف الكتب في إسبانيا، ومن الجدير بالذكر أن الأوروبيين تعلموا صناعة الورق من المسلمين.
لقد جعلت المؤلفاتُ في جميع المجالات إسبانيا مركزًا لاكتساب العلوم لدى الأوروبيين. ولا ننسى أن البابا سلفستر الثاني، أحد أبرز الشخصيات الأوروبية، قد تلقى علومه في إسبانيا الإسلامية. وقد تدفقت المعرفة إلى أوروبا عندما بدأت الكتب العربية تُترجم إلى اللاتينية، واستمرت هذه الترجمات لمدة قرنين، مما ساهم في نشر الفن والعلوم في أوروبا.
في عام ١٥١١، أمرت الحكومة المسيحية، بعد انتزاع حكم إسبانيا من أيدي المسلمين، بحرق النصوص العربية، مما أدى إلى تدمير كنزٍ هائلٍ من الكتب، وقد تحولت نحو ٨٠٠٠٠ كتاب في مدينة غرناطة وحدها إلى رماد. ومع ذلك، الكتب التي لم تُحرق في ذلك الوقت لا تزال محفوظة في إسبانيا.وما هذا إلا جزء من ثمانية قرون من تاريخ إسبانيا الإسلامية، التي تزخر بالعديد من الأحداث الرائعة القادرة على أن تكون قوة دافعة لجيل جديد. إن إعادة قراءة التاريخ يمكن أن تمنح حياة جديدة لجميع الأجيال.
محمد مبشر