نحن أصحاب كلمات 'إن مع العسر يسرا' وقد علمنا بها سيدنا محمد رسول الله صلوات الله سلام عليه . قد نلامس مثل هذه الكلمات والأوعاظ والنصائح من سيرة النبوية بصميم قلوبنا..، تلك التي تدعونا إلى تشكيل وجهات نظراتنا عن الحياة ، وتلك التي منحتنا درسا وعبرة التي نمكن بها مواجهة الحياة في أحوالها المختلفة ، وتلك التي لا تقتصر بهذه فحسب ، بل إن هذه السيرة تهدينا إلى الطريق الصواب وتلقي إلينا أشياء جديرا بالصحة النفسية والجسمية ، وقد عرّفتنا الحياة على أنها مندمجة الأحزان والأفراح ، وأنها مستحيلة دون منغصات . هل هنا أي بشر يعيش دونها..! هذه طبيعة الحياة . هكذا كانت حياة نبينا صلى الله عليه وسلم وسيرته مكونة أيضا من قصة العسر واليسر والفرح والحزن ، ولكن له قوة استثنائية ليتعامل بها . نتعارف بعضا منها .
إنه صلى الله عليه وسلم ولد يتيما حيث توفي والده عبد الله قبل ولادته وكان في بطن أمه أمنة آنذاك وتربى في حضن أمه الحنونة في مكة ، فلما بلغ ستة من عمره فارقته أمه إلى رحمة الله ، ما أعظم هذا الألم..!ثم ترعرع كاملا في رعاية جده عبد المطلب وعوضه حب والده وحنان أمه في وقت سواء ، ولكن لم تلبث هذه الرعاية الفذة حتى فارقه جده عبد المطلب في ثمانية من عمره . لكل وراء هذه الأحزان المتراكمة المتلاطمة حكمة إلالهية في إعداد هذا النبي الكريم ورقته هذه الأحداث قلبه وهيأته لمواجهة الصعبات القادمة مع همة وجرأة وثبات .
رغم كل هذه الصعبات والمحن فضّله الله تعالى بالعديد من الخصلات العظيمة والسجايا المختلفة ، وظهرت علامات مشرفة منذ ولادته ، وتتابعت في جميع مرحلة حياته . جعله الله من خير خلقه ، وشرفه بامتلاء نور البهجة في الأرض والسماوات إثر ولادته ، وطهّر قلبه بشق صدره وتنزيهه من كل الشرور والرذائل . أعلى الله شأنه صلى الله عليه وسلم بأن سماه العرب بالـ الأمين حتى دعوه لحل المشكلات بينهم واختاروه وسيطاً واتفقوا على تحكيمه -قالوا حينها 'هذا الأمين رضينا ، هذا محمد'- عندما تنازعوا في شأن وضع الحجر الأسود في محله ، ولكن القوم نفسه هم الذين أخرجوه من بلده عندما دعاهم إلى سبيل الحق والرشاد وينذرهم بحياة الآخرة . بينما كان قوم آخر في المدينة متجهزين لقبوله صلى الله عليه وسلم وأحبوه حبا ينشق من صميم قلبهم ، هم الأنصار الذين ضحوا حياتهم لإعلاء كلمة الله التي جاء بها نبيه الكريم . هكذا كانت حياته بين العسر واليسر والحزن والفرح . وقد ذرفت عيون أصحاب القارئين سيرته لأن معظما منها أحداث حزينة لا يمكن أحد أن يواجهها إلا لديه قوة إلاهية استثنائية .
ومن السهل أن يفهم كل من يقرأ السيرة النبوية فِراقين متألمين ، أولهما وفاة عم رسول الله أبي طالب ، وكان يحميه دائما من قريش وينصره ويؤيده ، فحزن النبي (ص) كثيرا في وفاته . وتوفيت إثره زوجته العزيزة خديجة رضي الله عنها ، كانت تواسيه بملاصقة له منذ بدء ظهور علامات الوحي وفي آن اضطرابه وتسلّيه جسميا ونفسيا وماليا . وهي أول من آمنت به صلى الله عليه وسلم ، فارقته هي أيضا في نفس العام حتى عرف بعام الحزن . بيد أنه لم ييئس من ذلك ، بل انطلق برسالته إلى الطائف. كما نعلم لم تكن الأحداث التي تواجه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل طائفيين جيدة أيضاً بل كانت أشد وأقسى مما شاهده في حياته ، مع ذلك وهو ما دعا عليهم بل صبر راجيا باعتناق إسلام ذريتهم من أصلابهم . ولم يلبث حالهم طويلا حتى حقق الله آماله بما اعتنقوا الإسلام جميعا ، ثم أكرمه الله إكراما عظيما بالإسراء والمعراج وأتاحه فيها مشاهدة عظمة الله جل وعلا والمناجاة معه تعالى وملاقاة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلام عليهم . وأراه الله من الجنة والنار وغيرها من قدرته العظيمة . ما أعظم هذا الإكرام من خالق لمخلوقه . ومن الملاحظ من بين هذه الواقعات أن حياته كانت محفوفة بالأحزان والأفراح وكانت تتقلب بين قدر الله وقضاءه.
لم تبعد هذه المحن والاضطهادات من حياته الشخصية بل توجد فيها أيضا ، ومنها ما تعرض نبينا صلى الله عليه وسلم لفراق أولاده وهو على قيد الحياة ، من أبناء قاسم، عبد الله، إبراهيم ومن بنات رقية، زينب، أم كلثوم على الترتيب ، ولم يبقى منهم أحد إلا ابنة فاطمة رضي الله عنها . وحينما توفي ابنه صلى الله عليه وسلم إبراهيم ، حزن عليه صلى الله عليه وسلم وقد ورد في الحديث عن هذه الحادثة عن أنس رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين ، وكان ظئرا لإبراهيم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه ، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ، وأنت يا رسول الله ، فقال : يا ابن عوف ، إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى ، فقال : إن العين تدمع، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"(رواه البخاري). ونرى من كل هذه ، كان صلى الله عليه وسلم صابراً ومحتسباً ، مع ذلك كانت نظريته حيال مواجهة البلاء والصعبات مثل قوله "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فأمثل". ورغم كل هذا ، ولا يلقاه أصحابه رضي الله عنهم إلا مبتسما ، روي عن عبد الله بن الحارث بن حزم رضي الله عنه قال : "ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم" (رواه الترمذي)
قد ظهرت المشقات في غزواته صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن يسرا كاملا . كان وراء كل فتحات قصة تألم القلوب وتدمع العيون . ضحوا الكثير من أصحابه لأجلها ، ولكن إيمانه القوي وقيادته الصلابة تلهم في نفوسهم ، وتهديهم إلى بدر وأحد وخندق وغيرههم من الغزوات . لكل غزوة تحدياتها ومشقاتها ، ليست غزوة بدر كغزوة أحد ، في بدر نصر الله بالملائكة ، ابتليت قوة الإيمان ووحدة المسلمين في معركة أحد ، أما في غزوة خندق عانى المسلمون من الجوء والبرد . عندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم فرحين مع أصحابه من معركة بدر كان خبر وفاة إبنته رقية رضي الله عنها ينتظره في المدينة . هكذا كانت مشاعر حياته صلى الله عليه وسلم مختلفة وغير متوقعة.
إذا بحثنا في كتب تاريخ أصحابه رضي الله عنهم ، فنجد أنها أيضا ليست خالية من المشقات والصعوبات ، ولكن يهديهم دائما جزاء وُعد للصابرين ونعمات هيأت لهم في الآخرة ، كانوا موقننين بما لديهم ومتفائلين نحو الحياة وكانوا متفاهمين حكمة قول نبيهم صلى الله عليه وسلم "عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابتْه سرَّاءُ شكَر ، فكان خيرًا له ، وإن أصابتْه ضرَّاءُ صبَر ، فكان خيرًا له"، لا شك فيه أن التاريخ قد افتخر بسيرة هذه العظماء الكرام ، كيف لا..! هل يتم التاريخ بدونها..؟ لا..!
الخلاصة، الحياة تزدمج بالمشاعر المختلفة، 'ما بين الحزن والفرح تسير بنا الحياة'. أن السيرة النبوية قد علّمتنا على الصبر والمثابرة والرحمة والعدالة ، ورسالتها أن الحياة خلقت لمتشوقين لها ، لا لنابذين لها ولا لمنبوذين منها وبهذه أكد حديثه الشريف "اﺣﺮث ﻟﺪﻧﻴﺎك ﻛﺄﻧﻚ ﺗﻌﻴﺶ أﺑﺪًا ، واﻋﻤﻞ ﻷﺧﺮﺗﻚ ﻛﺄﻧﻚ ﺗﻤﻮت ﻏﺪًا" فكن راجيا ومتفائلا أمام الحياة واستوعب دروساً من سيرة الكرماء .
المراجع
-السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي
-عبقرية محمد لعباس محمود عكاد
-إسلام ويب
محمد فيصل
حرم الوافي الجامعي، كالكاو